القرطبي

139

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

ثم قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : قوله تعالى : وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ [ الإسراء : 13 ] أي : عمله ، فإذا فرغ من ذلك دخل عليه فتّانا القبر ، وهما ملكان أسودان ، يخرقان الأرض بأنيابهما ، لهما شعور مسدولة يجرانها على الأرض ، كلامهما كالرعد القاصف ، وأعينهما كالبرق الخاطف ، ونفسهما كالريح العاصف ، بيد كل واحد منهما مقمع من حديد لو اجتمع عليه الثقلان ما رفعاه ، لو ضرب به أعظم جبل لجعله دكّا ، فإذا أبصرتهما النفس ارتعدت ، وولّت هاربة ، فتدخل في منخر الميت فيحيا الميت من الصدر ويكون كهيئته عند الغرغرة ، ولا يقدر على حراك ، غير أنه يسمع وينظر قال : « فيقعدانه فيبتدئانه بعنف ، وينتهرانه بجفاء وقد صار التراب له كالماء ، حيثما تحرك انفسح فيه ووجد فرجة فيقولان له : من ربّك ؟ وما دينك ؟ ومن نبيك ؟ وما قبلتك ؟ فمن وفقه اللّه وثبته بالقول الثابت قال : ومن وكّلكما عليّ ؟ ومن أرسلكما إليّ ؟ وهذا لا يقوله إلا العلماء الأخيار . فيقول أحدهما للآخر : صدق . كفي شرّنا ، ثم يضربان عليه القبر كالقبة العظيمة ، ويفتحان له بابا إلى الجنة من تلقاء يمينه ، ثم يفرشان له من حريرها وريحانها ، ويدخل عليه من نسيمها وروحها وريحانها ، ويأتيه عمله في صورة أحب الأشخاص إليه ، يؤنسه ويحدثه ويملأ قبره نورا ، ولا يزال في فرح وسرور ما بقيت الدنيا حتى تقوم الساعة ، ويسأل : متى تقوم الساعة ؟ فليس شيء أحب إليه من قيامها . ودونه في المنزلة المؤمن العامل الخير ليس معه حظّ من العلم ، ولا من أسرار الملكوت ، يلج عليه عمله عقيب رومان في أحسن صورة طيب الريح ، حسن الثياب ، فيقول له : أما تعرفني ؟ فيقول : من أنت الذي منّ اللّه علي بك في غربتي ؟ فيقول : أنا عملك الصالح ، فلا تحزن ولا توجل ؛ فعمّا قليل يلج عليك منكر ونكير يسألانك فلا تدهش ، ثم يلقنه حجته ، فبينما هو كذلك ، إذ دخلا عليه فينتهرانه ويقعدانه مستندا ويقولان : من ربك ؟ - نسق الأول - فيقول : اللّه ربي ، ومحمد نبيي ، والقرآن إمامي ، والكعبة قبلتي ، وإبراهيم أبي ، وملته ملتي ، غير مستعجم ، فيقولان له : صدقت ، ويفعلان به كالأول ، إلّا أنهما يفتحان له بابا إلى النار فينظر إلى حيّاتها وعقاربها وسلاسلها وأغلالها وحميمها وجميع غمومها وصديدها وزقومها ، فيفزع فيقولان له : لا عليك سوء ، هذا موضعك قد أبدله اللّه تعالى بموضعك هذا في الجنة ، نم سعيدا ، ثم يغلقان عنه باب النار ، ولم يدر ما مر عليه من الشهور والأعوام والدهور . ومن الناس من يحجم في مسألته ، فإن كانت عقيدته مختلفة امتنع أن يقول : اللّه ربي وأخذ غيرها من الألفاظ فيضربانه ضربة يشتعل منها قبره نارا ثم تطفأ عنه أياما ، ثم تشتعل عليه أيضا . هذا دأبه ما بقيت الدنيا . ومن الناس من يعتاص عليه ويعسر أن يقول : الإسلام ديني لشك كان يتوهمه ، أو فتنة تقع به عند الموت فيضربانه ضربة واحدة فيشتعل عليه قبره نارا كالأول ، ومن الناس من يعتاص عليه أن يقول : القرآن إمامي ؛ لأنه كان يتلوه ولا يتعظ به ، ولا